السيد كمال الحيدري

36

شرح كتاب المنطق

نفسه بها ، فنعرف أنّ نفسه التي كانت خاليةً ، أصبحت مشغولة بحالة جديدة نسمّيها « العلم » وهي العلم الحسّي الذي هو ليس إلّا حسّ النفس بالأشياء التي تنالها الحواسّ الخمس « الباصرة ، السامعة ، الشامّة ، الذائقة ، اللامسة » وهذا أوّل درجات العلم ، وهو رأس المال لجميع العلوم التي يحصل عليها الإنسان ، ويشاركه فيه سائر الحيوانات التي لها جميع هذه الحواسّ أو بعضها . 2 . ثمّ تترقّى مدارك الطفل فيتصرّف ذهنه في صور المحسوسات المحفوظة عنده ، فينسب بعضها إلى بعض : هذا أطول من ذاك ، وهذا الضوء أنور من الآخر أو مثله . . . ويؤلّف بعضها من بعض تأليفاً قد لا يكون له وجود في الخارج ، كتأليفه لصور الأشياء التي يسمع بها ولا يراها ، فيتخيّل البلدة التي لم يرها ، مؤلّفة من الصور الذهنية عند مشاهدته للبلدان ، وهذا هو « العلم الخيالي » يحصل عليه الإنسان بقوّة « الخيال » ، وقد يشاركه فيه بعض الحيوانات . 3 . ثم يتوسّع في إدراكه إلى أكثر من المحسوسات ، فيدرك المعاني الجزئية التي لا مادّة لها ولا مقدار ، مثل حبّ أبويه له وعداوة مبغضيه ، وخوف الخائف ، وحزن الثاكل ، وفرح المستبشر . . . وهذا هو « العلم الوهمي » يحصل عليه الإنسان كغيره من الحيوانات بقوّة « الوهم » وهي - هذه القوّة - موضع افتراق الإنسان عن الحيوان ، فيترك الحيوان وحده يدبّر إدراكاته بالوهم فقط ويصرفها بما يستطيعه من هذه القوّة والحول المحدود . 4 . ثم يذهب هو - الإنسان - في طريقه وحده متميّزاً عن الحيوان بقوّة العقل والفكر التي لا حدّ لها ولا نهاية ، فيدير بها دفّة مدركاته الحسيّة والخيالية والوهمية ، ويميّز الصحيح منها عن الفاسد ، وينتزع المعاني الكلّية من الجزئيات التي أدركها فيتعقّلها ، ويقيس بعضها على بعض ، وينتقل